عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )

696

لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام

المطالب العالية ، وتسمى بالهمم كما سيأتي . فأما همة الإفاقة فهي همة يتصف بها العبد أول ما يفيق قلبه من غلبات الدهور وفتن الهوى فيشاهد الدنيا فيها مستقبحة لما فيها من توحش قلوب المشتغلين بها . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ألا إن الدنيا معلونة ملعون ما فيها إلّا ذكر اللّه وما والاه وعالم أو متعلم » فلهذا صار صاحب [ 183 ظ ] هذه الدرجة ممن تصونه همته عن الرغبة في الفاني ، لأنه يرى أن الدنيا بما فيها لا بقاء لها ، وتحمله على الرغبة في الباقي لأنه يرى الآخرة بما فيها لا فناء لها وتصفيه من كدر التوانى ، لما يجده من صفاء السير وطمأنينة القلب ، عند قيامه بما دعاه الحق إليه لما يجده من الكدورة وغين القلب عند التوانى ، عما فرضه اللّه عليه ، فلهذا صارت همته تسارع إلى امتثال الأمر لئلا يحظى بحرمان الأجر . همة الأنفة : هذه هي الهمة التي في الدرجة الثانية ، وهي همة تورث صاحبها أنفة على قلبه أن تشغله بطلب الأجر من اللّه عز وجل ، ليتوقع منه ما وعده على الطاعة من الثواب لارتقاء همته على رؤية العمل إلى مشاهدة الحق الذي إنما يطلب العمل طمعا في القرب منه ، حتى تكون نهاية العمل الصالح عند صاحب هذه الهمة لا يبلغ بداية توجهه إلى ربه . همة أرباب الهمم العالية : هي همة من لا يريد بما يقصد إلى عمله شيئا سوى الحق ، فلما تعالت همته عما سوى اللّه أن يجعله مقصودا له ، كانت همته أعلى الهمم لتعلقها بالحق الذي لا يعلوه شئ ، وسميت همته لذلك بالهمم العالية كما سيأتي . الهمم العالية : يعنى بها همم القوم الذين لا يطلبون بعبادتهم من اللّه سوى مجرد العبودية له سبحانه ، لصدق محبتهم فيه لا فيما سواه ، من رغبة في نعيم أو رهبة عن جحيم ، فسموا أهل الهمم العالية ، لسمو هممهم حيث